في هدوء منطقة "اللبيني" بفيصل، حيث تنساب الحياة اليومية برتابة، نُسجت في الخفاء واحدة من أبشع القصص الإجرامية في التاريخ المصري الحديث. لم تكن مجرد جريمة قتل، بل كانت "هزيمة للإنسانية" وقعت في ركن يُفترض أنه ملاذ للأمان. ومع قرار محكمة جنايات مستأنف الجيزة في أبريل ٢٠٢٦ بإحالة أوراق المتهم للمفتي للمرة الثانية، لم يكن القرار مجرد إجراء قانوني، بل كان صرخة عدالة في وجه "طبيب" استبدل رسالة الرحمة ببروتوكول للإبادة الجماعية.
إليك ٥ حقائق تكشف الوجه المظلم لهذه المأساة التي لم تترك بيتاً في مصر إلا وأوجعته:
١. أسبوع من "التدبير الهادئ": الجريمة لم تكن "ساعة شيطان"
خلافاً للصورة التقليدية للجرائم التي تقع تحت تأثير الغضب اللحظي، كشفت التحقيقات عن "هندسة إجرامية" استمرت أسبوعاً كاملاً. لم يكن المتهم مدفوعاً بنوبة جنون، بل بقرار بارد اتخذه بعد أن هددته المجني عليها "زيزي" بكشف طبيعة علاقتهما. هذا التهديد بالافتضاح كان الصاعق الذي فجر "المخطط الشيطاني" للتخلص من الأم وأطفالها لدفن السر إلى الأبد.
"المتهم أعد مخططاً شيطانياً استمر لأسبوع كامل، انتهى بإبادة أسرة كاملة باستخدام مادة سامة."
٢. خيانة "طبيب الحلال": حين يتحول الدواء البيطري إلى سلاح فتاك
تجلت بشاعة الجريمة في "الاحترافية" التي نفذ بها المتهم (صاحب محل الأدوية البيطرية) جريمته. لقد استغل علمه وخبرته المهنية في التعامل مع سموم الحيوانات ليصمم "كوكتيلاً" كيميائياً لا يرحم. وبحسب تقرير الصفة التشريحية، لم يكتفِ بمادة واحدة، بل دمج:
- فوسفيد الزنك: السم القاتل للقوارض.
- مركبات فسفورية: مبيدات حشرية عالية السمية.
- عقار الكوتيابكس: مخدر ثقيل لضمان استسلام الضحايا وعدم قدرتهم على المقاومة. هذا "العصير" لم يكن مجرد مشروب مسموم، بل كان فخاً كيميائياً صُمم بدقة لضمان نتيجة واحدة: الموت المحقق.
٣. مأساة "مصطفى": براءةُ طفلٍ هزمت السم.. فقتلها الوحش غرقاً
تظل قصة الصغير "مصطفى" (٦ سنوات) هي الذروة الدرامية والمؤلمة في هذه القضية. فبينما استسلم شقيقاه "سيف الدين" و"جنى" للسم الذي دُس لهما في عصير المانجو أثناء "نزهة الموت" في ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٥، رفض مصطفى بفطرته البريئة شرب العصير. هذه اللحظة، التي كانت تكفي لإيقاظ أي ضمير بشري، دفعت المتهم لارتكاب فعلة أكثر وحشية؛ حيث اصطحب الطفل حياً وألقى به في "مجرى مائي" ليضمن صمته إلى الأبد. مات مصطفى غرقاً، لا بالسم، في تجسيد مرعب لإصرار القاتل على محو كل أثر لضحيته.
٤. قناع "علي محمد": التزوير في ردهات "قصر العيني" للهروب
لم تكتفِ العقلية الإجرامية بالقتل، بل حاولت التلاعب بالنظام الطبي والقانوني في اللحظات الأخيرة. بعد أن سقطت الأم وأطفالها في حالة إعياء، نقلهم المتهم إلى مستشفى "قصر العيني"، ليس للإنقاذ، بل لمحاولة إبعاد الشبهة. وهناك، قام بتزوير دفتر استقبال المستشفى منتحلاً اسم "علي محمد" للهروب من المساءلة الجنائية. هذا التزييف يظهر جبن القاتل الذي حاول التخفي وراء أسماء مستعارة بعد أن نزع قناع "الشخص المقرب" الذي كان يرتديه أمام الضحايا.
٥. القصاص الشرعي: كلمة المفتي التي قطعت الشك باليقين
بعد جولات ماراثونية في أروقة المحاكم، جاء رأي فضيلة مفتي الديار المصرية ليضع الكلمة الفصل. التقرير أكد أن الجريمة مكتملة الأركان شرعاً وقانوناً، وأن غياب الوازع الديني والأخلاقي لدى المتهم جعل القصاص هو السبيل الوحيد لشفاء صدور المجتمع. إحالة الأوراق للمفتي مرتين (بما في ذلك جلسة أبريل ٢٠٢٦) تعكس دقة القضاء المصري وحرصه على تحقيق العدالة الناجزة مع توفير كافة ضمانات التقاضي.
"الجريمة أقيمت بالطريق الشرعي ولا توجد شبهة تدرأ القصاص عن المتهم.. يستحق الإعدام قصاصاً لقتله العمد للأم وأطفالها."
خاتمة: تساؤل يطرق أبواب المجتمع
تغلق قضية "أطفال فيصل" فصولها القانونية، لكنها تفتح جرحاً مجتمعياً غائراً. كيف يمكن ليدٍ كانت تمتد "بالدواء" والرحمة للحيوانات أن تمتد "بالسم" والقتل للبشر؟ إنها صرخة تحذير من "المجرمين المتخفين" الذين يعيشون بيننا بوجوه مألوفة وقلوب مظلمة. العدالة التي تحققت بالقصاص هي الرسالة الأسمى، لكن الحماية الحقيقية تبدأ بوعينا المجتمعي وقدرتنا على كشف الأقنعة قبل أن تتحول "المانجو" إلى سمّ، والبيت إلى مسرح جريمة.
تعليقات
إرسال تعليق